fbpx

خمس وقفات سريعة مع العمل الخيري الاجتماعي التنموي

تصدير هذه الوقفات تعبير شخصي عن خلاصات ممارسة ميدانية وتجربة جماعية ،وعن قناعات ورؤى تبلورت وأينعت عبر خمسة وعشرين سنة من العمل الخيري الاجتماعي التنموي. أتقاسمها مع المهتمين، وأهديها إلى “جمعية العون والإغاثة ” في ذكرى يوبيلها الفضي . الوقفة الأولى: محنة العمل الاجتماعي الخيري بين ضيق الآفاق وثقافة الإلحاق يعاني العمل الجمعوي من سيادة نظرة امتهانية تنقيصية له ، ليس فقط عند من يَقْبَع خارجه متفرجا (يصفق أويستخف)، أو متربصا (يشوش أو يوظف) ، بل وأيضا عند عموم المزاولين له : • ينظر إليه بعض من أهله على أنه مجرد عمل تنفيذي لا يحتاج إلى كثير من النظر والتنظير في هندسته وبنائه وتنفيذه ، ولا وفي رسم ملامحه وتحديد وجهته ،ويتصور هؤلاء أنه يكفي أن تكون راغبا في التطوع ومستعدا له نفسيا لتنطلق فيه متحدثا ومنفذا .إذ الأهم في العمل الجمعوي بالنسبة إليهم هو التنفيذ والخطابة ، أما التنظير فمجاله خارج العمل الجمعوي . • وينظر إليه آخرون من أهله على أنه عمل فرعي تبعي موازي، لا يصح أن يستقل بنفسه ،فهولا يملك الأدوات والنضج والقيمة التي تؤهله أن يُنظٍّر لمساره بمنظوره الفلسفي الخاص المستقل عن التفكير السياسي والنقابي والثقافي.. ،وهؤلاء لا يتصورون العمل الجمعوي – لمهانته في نظرهم – إلا ملحقا بعمل يعتبرونه أرقى منه (سياسي أو إديولوجي ) يستمد منه مشروعيته وتصوراته. • وينظر إليه بعض آخر من أهله على أنه في حقيقته سُلَّم ارتقاء ومحطة أولى لكسب المنزلة عند الناس والمكانة والجاه والحذاقة والحنكة التي تؤهله للارتقاء إلى المحطة الموالية -التي هي مُناهُ ومُبتغاه الدفين غير المُعلَن – محطة العمل السياسي،حيث توهمه نفسه المُتطلّْعة إلى التَّسَيُّد على العباد ،والتبرج بنِسْبة العمل إليها ،بأنه قد انتقل من عمل (جمعوي ) دَنِيّ المرتبة ،باهت الأثر، قليل القيمة ،إلى عملٍ أَرْقى وأبْلَغ أثرا وأعْلى قيمة. • وينظر إليه آخرون من المُنْدسِّين فيه على أنه مجال غني بالمساحيق التي يحتاجونها لإخفاء دناءتهم وارتزاقهم، وهؤلاء لا نلتفت إليهم ولا نتوجه إليهم بهذه الوقفات، وإنما ذكرناهم للتنبيه على أن عددهم يكثر في البيئات الجمعوية التي تهيمن فيها النظرة الانتقاصية للعمل الجمعوي، أما نظرة من يوجد خارج العمل الجمعوي من أحزاب سياسية ونقابات ومفكرين وأهل الثقافة والفن وغيرهم ،فهي تتضمن في عمومها – بلا تعميم- من الاحتقار والتنقيص أكثر من تلك التي يحملها أهل الدار. فالأحزاب لا تنظر إلى العمل الجمعوي إلا كرافد من روافدها ، وتابع من توابعها. وجيوش احتياطية لمعاركها السياسوية، ففي نظرها لا يوجد في الساحة إلا جمعيات مسيسة ( تابعة لأحزاب ) أو جمعيات مرتزقة قابلة لبيع ولائها مقابل مصالح أو مال. أما النقابات ومؤسسات المرافعة الحقوقية، فتصنف الجمعيات بمنطقها المرافعاتي إلى جمعيات مناضلة وأخرى صفراء مهادنة. أما المثقفون ورواد الفكر الإصلاحي فلا تكاد تلتقط في رؤاهم وتنظيراتهم ما يؤشر إلى كونهم يعتبرون العمل الجمعوي الاجتماعي ذا أهمية تذكر. وهكذا تتكامل محنة العمل الجمعوي الاستراتيجي المستقل الجاد بين ضيق أفق رُواده وأهله النظري والاستراتيجي، وبين جهل من لا يلتفت إليه أو يسعى لتوظيفه سياسيا. والحقيقة أنه لا قيمة للعمل الجمعوي ولا أثر له في الإصلاح والتنمية إذا ظل عملا تنفيذيا آليا ضيق الأفق وغير استراتيجي ،لا يرسُم خطاه وِفق منظور فلسفي تدخلي خاص ومتكامل .ولا قيمة له إذا انحصرت أهدافه في أهداف ما سواه من أنواع العمل ، إذ من المفترض أن يُؤسِّس العمل الجمعوي الاجتماعي لمسار مختلف ومستقل من العمل يتمايز عن غيره ،بل ويَفْضُلُ عليه -على الأقل في نظر أهله. – بحيث لا يستسيغ العاملون في مجاله أن يفكروا أو يحللوا ويتدخلوا مثل غيرهم من أبناء العمل المختلف ،بَلَهْ أن يُلحَقوا به. أما أوجه التفنيد لآفة الانتقاص للعمل المدني الجمعوي الخيري الاجتماعي ومظاهرها التي عرضناها فقد نفرد لها لاحقا وقفات مستقلة. الوقفة الثانية : تأرجح العمل الاجتماعي الخيري بين آفة التسيُّد وغاية التعبُّد الأصل في العمل الخيري أن نتعبد به لله ولا نتسيد به على الخلْق ، لكن في زحمة العمل التنفيذي من داخل مؤسسة معينة ،قد يغفل الفاعل الجمعوي عن الغاية الإنسانية والتعبدية لفعله وعن حقيقة كون المؤسسة مجرد وسيلة إليه ، وقد تمتد الغفلة أمداً إلى أن يُسقِط الفاعل النِّية الأصلية المحرِّكة للعمل والمحددة للغاية منه، ليركز على تَسيُّد ذاته الفردية وتبرجها من خلال العمل وبه ..وليصبح همُّه وديدنه أن يُعلِم مَن حوله بكلّ سبيل بالغاية الجديدة :أنا الذي فعلت وأنجزت …كل شيء.وقد ينتشر وباء التسيد والتبرج بالعمل الخيري في المؤسسة ،فيتفق العاملون -لاتفاق الهمِّ التَّسيدي لديهم -على إشباع إنِّيتهم بخطاب تمجيد الذات الجمعوية،وتشتعل بينهم في الآن ذاته – لتباين ذواتهم – حروب التبرج والنسبة للذات والنقد الهادم.وبذلك تتحول الجمعيات إلى آليات تسيدٍ على العباد وتنافسٍ على الأمجاد ،تزيد الوضع الاجتماعي تقرُّحا: يسود التسيد بالعمل فتتحول الوسيلة إلى غاية ،وتتنافس الوسائل (الجمعيات) تنافس الشركات بقيم السوق . هذا المسار الانحداري أوله غفلة عن غاية العمل الإنسانية والتعبدية،وحقيقة الذات العاملة والوسيلة (المؤسسة ) المتوسل بها للعمل. ونسيان طويل الأمد -لا تَذكُّرَ فيه ولا مراجعة للمسار – للقصد من الوسيلة ،حيث تنْدفِن النية الطيبة تحت أقدام النفس المتطلعة إلى التبرج والتسيد. الوقفة الثالثة : التعبد لله بالعمل الاجتماعي الخيري :تحرر من عبادة الذات وتجرد لخدمة الإنسانية الأصل في وجود التعبد لله وجود الإسناد إليه سبحانه وتعالى أو قلْ ” النسبة إلى الله وحده” وهو ما سماه المتقدمون بمسميات عدة ” التبري من الحول والقوة إلا به”، “الاعتماد عليه ” ، ” الرد إليه” ،”التوكل عليه”،” دوام الافتقار إليه” “رؤية الفعل منه” . يقول الدكتور طه عبد الرحمن :” لما كان الأصل في وجود التعبد للذات وجود النسبة الذاتية ، ولما كان الأصل في وجود الإسناد وجود الأنا ، فإن الأصل في محو التسيد نسيان ” الأنا” باستغراق بكليته في شهود الله في كل ما خلق ورزق، » وقبله « نسيان تدبيره » بمزيد من العمل التزكوي الذي يشهده التدبير الإلهي القائم على كل شيء على وجه الكمال ، ويسبقه « نسيان أوصافه” بمجاهدة مذكرة بجلال الله تعالى مثمرة التحقق بأوصاف الذات المفتقرة. ويبرز الدكتور طه عبد الرحمن مركزية المجاهدة العملية في تحقيق فناء العبد عن أوصاف نفسه ثم تدبيره فكينونته قائلا : “إذا تذكر المتعبد عظمة الله وجلاله ، فإنه يرتحل في تحرير نفسه من نفسه ،إلى منزلة أعلى ، ذلك أن التعظيم والإجلال يأخذانه من نفسه أخذا فلا يعود يهتم لصدور الأعمال منه، ولا حتى لصدور الإخلاص فيها منه، بل ولا يعود يشغله ولا حتى الفوز بالثواب عليها، متحققا بأنه لا وجود له مع شهود هذه العظمة إلا على نعت الذلة الكبرى، ولا مع شهود هذا الجلال إلا على نعت الضآلة القصوى. وبفضل هذا التحقق بذلته وضآلته، يخرج المتعبد عن نسبة الأعمال إلى ذاته من حيث إيجادها، فلا يرى لذاته عملا ،وإنما يراها معمولا بها، مضيفا نفسه ذاتا و أفعالا وأوصافا، إلى الله إضافة العبد إلى مولاه. ومتى خلصت عَبْديتُه لله استطاع المتعبد أن يتحرر من أَسْرِ ذاته ” “فلا تستعبده أعمال الجوارح ، لا من جهة المشقة والمكابدة ، ولا من جهة الجمود على رسومها ولا من جهة إظهارها للآخرين ،ولا من جهة الأجر المبتغى عنها” . فما لم يتحرر العامل الاجتماعي من أسر ذاته ويحقق عبديته الخالصة لربه فلن تكون خدمته الاجتماعية الموجهة للناس إنسانية وخالصة. الوقفة الرابعة : نحو وعي جديد بحقيقة مباينة العمل الحزبي والمرافعاتي للعمل الاجتماعي الخيري التسيد في العمل الحزبي السياسي أصيل – بغض النظر عن النوايا الطيبة لأفراده- وذلك لطبيعته القائمة على طلب الولاية على الناس بدعوى زكاة الذات الحزبية وعدالتها وأهليتها .. و بحكم ارتكاز العمل الحزبي على ترويج دعوى عدالة الذات الحزبية وأهليتها للتسيد على الناس وأحقيتها في ذلك التسيد.. وأيضا بحكم ارتكاز برامجها العملية على طلبها التسيد بوسائله المشروعة قانونيا ،والتي منها نسبة العمل للذات الفردية والحزبية .والتمجيد الجماعي للذات الحزبية …. ولا شك أن العامل الاجتماعي الذي غايته تحقيق التعبد لله بخدمة خلقه خدمة مجردة من كل غرض جلي ومن أدنى غرض خفي، ولو في صورة مَنٍّ أو شكرٍ أو ذِكر، متى ترسخ لديه وعي بالطبيعة التسيدية للعمل الحزبي سيستبصر ويدرك مدى مباينة العمل الحزبي في مساره ومنهجه ومقاصده لمسار ومنهج ومقاصد العمل الخيري . إذ شتان ما بين مقصد التسيد على الناس و مقصد التعبد لله … وبهذا الوعي يصبح موقف المفاصلة للعمل الحزبي السياسي عند العامل الاجتماعي موقفا مبدئيا يفرضه اختلاف الغاية وتباين المنهج وتباعد المسار. ويتعمق هذا الموقف عند العامل الاجتماعي -الساعي للتعبد لله بعمله – بتعمق تجربته العملية، فهو يدرك من موقع المكابدة الواعية صعوبة تحقيق التعبد لله من داخل العمل الاجتماعي بالرغم من أن غاية هذا العمل ومنهجه يساعدان على ذلك .وبالتالي فانه لا يتصور ولا يعرف كيف يمكن تحقيق التعبد لله بالعمل الحزبي السياسي، وهو عمل غايته طلب الولاية للذات ومنهجه تعريض الذات للتبرج ..؟!! لكن ينبغي ألا يمنعه موقفه المبدئي ذاك من تقدير العمل الحزبي في جملته، وألا يصده عن التعاون مع هذا الفاعل الحزبي أو ذاك ، مع حرصه على الوقوف على مسافة واحدة من كل العمل الحزبي . المفارقة بين العمل الاجتماعي والسياسي الحزبي ليست فقط في الغاية والمنهج والمسار بل وأيضا في طبيعة العمل وطبيعة التدخل.فالعمل الاجتماعي يبني المجتمع المدني أو قل المجتمع المتضامن أو قل الأمة . وأساس اشتغاله إحياء وبعث القيم التضامنية وتفعيل الوظائف الاجتماعية للمواطنة الفاعلة ،والتوعية بالمسؤوليات والفروض العينية والكفائية ..وطبيعة ذلك البعث والإحياء والتحسيس لا يكون بالخطب الرنانة ولا بمعركة القوانين ولا بالاحتجاجات والمرافعات في اتجاه الدولة ومؤسساتها، بل عبر بلورة نماذج عملية ملهمة في المجتمع ومع المجتمع وبإمكانات المجتمع . فالأصل في العمل الاجتماعي المؤسسي: – ألا يقدم نفسه بديلا عن المجتمع بمكوناته لأن المجتمع هو المعني الأول بحل مشاكله وتحقيق تنميته، بل يحسن به ألا ينوب ولا يباشر مهام ومسؤوليات الدوائر الاجتماعية المختلفة لأن غايته أن يكون رافعة مجتمعبة لإعادة الوعي والتأسيس للمسؤوليات الاجتماعية للإفراد والجماعات. – ألا يقدم نفسه وكيلا ومحاميا ومرافعا لمصالح فئة من المجتمع بحيث ينحصر مشروعه العملي في أشكال الاحتجاج والمرافعة والاقتراح …موجها نظره للدولة ومؤسساتها باعتبارها المطالبة والمسؤولة .غير ملتفت للمجتمع ومسؤولياته وكأن لا مسؤوليات للفرد والجماعة . ولا خلل قيمي وتصوري خلف السلوك الفردي الأناني والتحلل الجماعي للأسرة والعائلة والحي … من المسؤوليات الاجتماعية. شتان بين عمل اجتماعي يتوجه للمجتمع ويرافع في اتجاهه، ويسعى لتفعيله لينهض بمسؤولياته في حل مشاكله الاجتماعية وتحقيق تنميته الذاتية، ويعتبر أدوار الدولة ومؤسساتها في التنمية تكميلية لدور المجتمع الناهض بقيمه ورأسماله الاجتماعي.وبين عمل سياسي ولو كان في شكل جمعوي مرافعاتي وحقوقي يتوجه للدولة ويرافع في اتجاهها ويسعى لإحراجها أو إقناعها لتفعيل تدخلاتها لحل المشاكل الاجتماعية واعتماد سياسات عمومية محققة للتنمية. وهل تنفع السياسات العمومية ولو كانت راشدة وسديدة في تنمية مجتمع مفكك قيميا ،مفصول عن رأسماله الاجتماعي ؟ .ان المجتمع قادر على إبداع أشكال تضامنية جديدة محققة لتماسكه ووحدته وتعاونه وتراحمه، فقط ينبغي على المجتمع المدني أن يكون الرافعة المحركة لذلك الإبداع الجماعي، و يفترض في مؤسسات الدولة أن تكون المسهل والمهيء للمناخ القانوني والإداري ..لهكذا إبداع وإحياء وتنمية جماعية للرأسمال الاجتماعي للمجتمع. الوقفة الخامسة: سبل تخليص العمل الاجتماعي الخيري من آفة التسييس إن العامل في المجال الخيري إما قاصد – بحاله قبل المقال – للتعبد لله به مجتهد في تحصيل شرائطه منتبه للمداخل القصدية والفكرية والسلوكية القادحة فيه، وإما قاصد بحاله – وان ادعى قولا عكس ذلك – للتسيد على الناس به ،متدرج في الانغماس في لجته وتحصيل آياته، بمعنى علاماته السلوكية والفكرية والقصدية. وفي هذه الحال يكون عمله في المجال الاجتماعي عملا سياسيا ولو كان فردا لا تربطه بالأحزاب والتيارات رابطة تنظيمية ولا مرجعية.وهذا يعني أن الخروج من التسييس لا يتم بمفارقة تنظيمية ومرجعية للعمل الحزبي فقط . نعم تعتبر المفارقة التنظيمية والمرجعية شرطا في صحة وجود القصد لتحقيق الخروج من آفة التسييس ،لكنها بالتأكيد غير كافية لتحقيق الخروج الفعلي من العمل السياسي بمعناه التسيدي التوظيفي . ولإن كانت المفارقة التنظيمية والولائية للعمل الحزبي ممكنة التحقق ،إلا أن الخروج الفعلي للعمل الخيري من التسييس لا يتم إلا بمفارقة منهج طلب التسيد على الناس بالعمل. وعلى حد تعبير المفكر المجدد الدكتور طه عبد الرحمن: لا ضمان للخروج من وصف ” التسييس ” إلا بالخروج من منهج التغييب إلى منهج التشهيد ،ومن ” طلب التسيد على الخلق ” إلى” طلب التعبد للحق. ” . تاسيسا على ما سبق نقول أن التسييس بقدر ما هو جلي وبارز في سلوك الحزبي ومن يدور في فلكه ممن استسلموا لنوازع” التسيد على الخلق” بل ورفعوا مطلب التسيد إلى مرتبة الواجب المقدس والتضحية المتفانية ، فإنه يظل خفيا عند الفاعل في المجالات الخيرية والدينية .. لارتباطه بالباعث على العمل، وبالتالي عصيا عن التحديد، خصوصا عند من يُروِّجون بالمقال معاني سامية لمقاصد عملهم مستمدة من الخطاب الديني يكذبها واقع الحال. وفي هدا الصدد ، يقول الفيلسوف المبدع طه عبد الرحمن:” قد يأتي الفاعل السياسي ــ مصطلح الفاعل السياسي يقصد به طه عبد الرحمن هنا كل من يطلب بفعله التسيد على الخلق في مجال السياسة وغيرها من المجالات بما فيها الجمعوي ـ من الأعمال والمعاملات ما لا ينازع أحد في فائدته لتدبير الشأن العام،ويظهر في هذه التصرفات من صور البذل والتفاني ما لا يشك أحد في انطوائه على النية في خدمة المواطنين لكن يبقى الباعث الدفين الذي يحرك الفاعل السياسي في كل نشاطه ونضاله والذي قد لا يشعر الفاعل السياسي بالضرورة بوجوده فضلا أن يشعر بتحريكه إياه إنما هو طلب التسيد بالعمل” ” . وانعدام الشعور هذا، حصاد نسيان مترتب عن ركون إلى جهل بالذات الإنسانية ونوازعها، أو جهالة ” غفلة حالية ” عن غريزة التسيد المتأصلة في النفس الإنسانية. يتخلص مما سبق أن تسييس العمل الخيري معناه طلب بالحال للتسيد على الخلق بالعمل الخيري، وبالتالي فالعمل الاجتماعي لا ينفك عن احتمال التسييس لمراوحته احتمالا وتقلبا بين باعثين: إما طلب التعبد لله وإما طلب التسيد على الناس والذي سماه المتقدمون ” حب الرئاسة” والمحدثون ” حب السلطة “. يحدد الدكتور طه عبد الرحمن الخصائص العامة للتسيد على الخلق بكل عمل بما في العمل الخيري في ثلاثة عناصر : العنصر الأول : ثبوت ” الأنا ” التي تسمى النفس، ومعنى ثبوثها « شعور الشخص بوجود ” أناه” شعورا قويا يندفع به إلى إسناد الأشياء إليها”. العنصر الثاني: تعاطي ” الأنا” أي الإسناد إلى الذات أو قل ” النسبة الذاتية” ، ولا تزال هذه النسبة تتزايد عنده ويتسع نطاقها مورثة إياه الشعور بأنه أضحى يملك ويسود ما ينسبه إليها.. العنصر الثالث: تصاعد هذه النسبة واشتدادها حتى تستبد به ، بل و حتى بلوغ رتبة الإطلاق متمثلا في انتحال أوصاف الربوبية من السعة الملكوتية والقوة الجبروتية. ننتهي إلى الخلاصة الآتية : التسييس تسيد والتسيد طلب السيادة بما يحققها عند المُتَسيَّد عليه،مبدؤه نزوع غالب عند المتسيِّد بإسناد الأشياء إلى النفس أو الذات أو “الأنا” في نسيان أن ” النسبة لله وحده”،ومآله نزوع المتسيد إلى أوصاف الربوبية، حيث لا يزال النزوع إلى النسبة الذاتية أو النفسية في تصاعد واشتداد حتى بلوغ رتبة الإطلاق . وأعلى التسيد الاستكبار في الأرض والطغيان ،وأدناه نسبة العمل إلى الذات، ورؤيتها فيه، وطلب الذكر والشكر به ،والمَنِّ به، والتمييز فيه، وترتيب حق التحكم عليه.وآياتها في المتسيِّد مقاصد الاستعلاء والتحكم والإملاء والمنِّ والأذى من المتسيِّد على المتسيَّد عليه.ومظاهرها في المتسيَّد عليه يتجلى في وضع التبعية والعبودية، ومظاهر التعظيم والتقديس للمتسيِّد، وبالجملة في وضع الاستعباد ونفسية الاستضعاف. وفي الختام نقول : الخروج من وصف التسييس وعي بحقيقة الذات ورحلة تحرر وانعتاق ذاتي، بحيث لا يمكن لأحد أن يدعي الخروج بإطلاق من التسيُّس ما لم يخرج عن رؤية ذاته ، وهو في حقيقته مسارمجاهدة يرتبط بأدق المعاني الأخلاقية : “النية والإخلاص” ،إذ يخفى أصلهما عن النظر ويمتنع محلهما عن القياس، حتى أنه لولا شدة أثرهما في السلوك، لكان المرء أميل إلى القضاء بعدمهما منه بوجودهما.

نشر هذا المقال على الموقع الإلكتروني العمق المغربي https://m.al3omk.com/461340.html

downloadfilmterbaru.xyz nomortogel.xyz aplikasitogel.xyz hasiltogel.xyz paitogel.xyz